عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
49
اللباب في علوم الكتاب
قال أبو حيّان « 1 » : « هذا الرّد ليس بجيّد ؛ لأنه إذا جعلنا « ليجمعنّكم » صالحا لخطاب جميع النّاس كان « الّذين » بدل بعض ، ويحتاج إذ ذاك إلى ضمير ، تقديره : خسروا أنفسهم فيهم وقوله : « فيفيدنا إبدال الذين من الضمير أنهم هم المختصّون بالخطاب ، وخصّوا على جهة الوعيد » ، وهذا يقتضي أن يكون بدل كلّ من كلّ ، فتناقض أوّل كلامه مع آخره ؛ لأنه من حيث الصّلاحيّة بدل بعض ، ومن حيث اختصاص الخطاب بهم يكون بدل كلّ ، فتناقضا » . قال شهاب الدّين « 2 » : ما أبعده عن التّناقض ؛ لأن بدل البعض من الكلّ من جملة المخصّصات « 3 » ، كالتخصيص بالصّفة « 4 » والغاية « 5 » والشرط « 6 » ، نصّ العلماء - رضي اللّه عنهم
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 87 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 18 . ( 3 ) التخصيص بالبدل : أعني بدل البعض من الكل ، نحو : أكلت الرغيف ثلثه ، ومنه قوله تعالى : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [ المائدة : 71 ] ذكره ابن الحاجب في مختصره . وأنكره الصفي الهندي ، قال : لأن المبدل كالمطروح ، فلم يتحقق فيه معنى الإخراج ، والتخصيص لا بد فيه من الإخراج ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] ، أن تقديره : وللّه حج البيت على من استطاع ؛ وكذا أنكره الأصفهاني شارح « المحصول » ، وهذا أحد المذاهب فيه ، والأكثرون على أنه ليس في نية الطرح . قال السّيرافي : زعم النحويون أنه في حكم تنحية الأول ، وهو المبدل منه ، ولا يريدون بذلك إلغاءه ، وإنما مرادهم : أن البدل قائم بنفسه ، وليس تبيينا للأول ؛ كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت ، وهو معه كالشئ الواحد ، ومنهم من قال لا يحسن عدّ البدل ؛ لأن الأول في قولنا : أكلت الرغيف ثلثه ، يشبه العام المراد به الخصوص ، لا العام المخصوص . تنبيهان : الأول : إذا جعلناه من المخصصات ، فلا يجيء فيه خلاف الاستثناء في اشتراط بقاء الأكثر : بل سواء قلّ ذلك البعض أو ساواه أو زاد عليه ، كأكلت الرغيف ثلثه ، أو نصفه ، أو ثلثيه . الثاني : يلتحق ببدل البعض في ذلك بدل الاشتمال ؛ لأن في كليهما بيانا وتخصيصا للمبدل منه . ينظر البحر المحيط 3 / 350 . ( 4 ) والمراد بها : المعنوية لا النعت بخصوصه ، نحو : أكرم العلماء الزهاد ، فإن التقييد بالزهاد يخرج غيرهم . قال إمام الحرمين في باب القضاء من « النهاية » : الوصف عند أهل اللغة معناه : التخصيص ، فإذا قلت : رجل ، شاع هذا في ذكر الرجال ، فإذا قلت : طويل ، اقتضى ذاك تخصيصا ، فلا تزال تزيد وصفا ، فيزداد الموصوف اختصاصا ، وكلما كثر الوصف قل الموصوف . اه . وهي كالاستثناء في وجوب الاتصال وعودها إلى الجمل . قال المازري : ولا خلاف في اتصال التوابع وهي النعت ، والتوكيد ، والعطف ، والبدل ، وإنما الخلاف في الاستثناء . وقال بعضهم : الخلاف في الصفة النحوية ، وهي التابع لما قبله في إعرابه ، أما الصفة الشرطية فلا خلاف فيها . وقال أبو البركات بن تيمية : فأما الصفات وعطف البيان والتوكيد والبدل ونحوها من المخصصات ، فينبغي أن تكون بمنزلة الاستثناء . وقال الإمام فخر الدين : إذا تعقبت الصفة شيئين ، فإما أن تتعلق إحداهما بالأخرى ، نحو : أكرم العرب والعجم المؤمنين عادت إليهما ، وإما ألّا يكون كذلك ، نحو : أكرم العلماء ، وجالس الفقهاء الزهاد ، فههنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة ، وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء . وقال الصفي الهندي : إن كانت الصفات كثيرة ، وذكرت على الجمع عقب جملة تقيدت بها ، أو على البدل ، فلواحدة غير معينة منها ، وإن ذكرت عقب جمل ، ففي العود إلى كلها أو إلى الأخيرة الخلاف . -